الشيخ محمد النهاوندي

632

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ أنّه - بعد البشارة بولادته ، وعلوّ مقامه ، وبهور معجزاته ، وحسن دعوته - بيّن أنّ النّاس مع جميع ذلك ، عارضوه بالكفر والجحود ، بقوله : فَلَمَّا أَحَسَّ وشاهد عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ بأن سمع منهم صريح الإنكار ، أو تيقّن به بحيث صار كالمحسوس له ، وعرف عزمهم على قتله . في بدو ظهور أمر عيسى عليه السّلام قيل : إنّ اليهود كانوا عارفين بأنّه هو المسيح المبشّر به في التّوراة ، وأنّه ينسخ دينهم ، فأخذوا في الطّعن عليه ، وصمّموا على قتله ، فلمّا أظهر الدّعوة اشتدّ غضبهم ، وأصرّوا في إيذائه وإيحاشه ، وطلب قتله « 1 » . وقيل : إنّه تعالى لمّا بعثه رسولا إلى بني إسرائيل ، جاءهم ودعاهم إلى دين اللّه ، فتمرّدوا وعصوا ، فخافهم واختفى عنهم ، وكان أمر عيسى عليه السّلام في قومه كأمر محمّد صلّى اللّه عليه وآله وهو بمكّة ، فكان مستضعفا ، وكان يختفي من بني إسرائيل ، كما اختفى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في الغار وفي منازل من آمن به لمّا أرادوا قتله . ثمّ أنّه عليه السّلام خرج مع امّه يسيحان في الأرض ، فاتّفق أنّه نزل [ في ] قرية على رجل فأحسن الرجل ضيافته ، وكان في المدينة ملك جبّار ، فجاء ذلك الرّجل يوما حزينا ، فسأله عيسى عليه السّلام عن السّبب ، فقال : ملك هذه المدينة رجل جبّار ، ومن عادته أنّه جعل على كلّ رجل منّا يوما يطعمه ويسقيه هو وجنوده ، وهذا اليوم نوبتي ، والأمر متعذّر عليّ . فلمّا سمعت مريم ذلك قالت : يا بني ادع اللّه ليكفي ذلك ، فقال : يا امّاه ، إن فعلت ذلك كان فيه الشّرّ ، فقالت : قد أحسن وأكرم ، ولا بدّ من إكرامه . فقال عيسى عليه السّلام : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثمّ أعلمني ، فلمّا فعل ذلك دعا اللّه تعالى ، فتحوّل ما في القدور طبيخا ، وما في الخوابي خمرا ، فلمّا جا الملك أكل وشرب ، وسأله : من أين هذا الخمر ؟ فتعلّل الرّجل في الجواب ، فلم يزل الملك يطالبه بذلك حتّى أخبره بالواقعة . فقال : إنّ من دعا اللّه حتّى جعل الماء خمرا ، إذا دعا أن يحيي اللّه ولدي لا بدّ وأن يجاب . وكان ابنه قد مات قبل ذلك بأيّام ، فدعا عيسى عليه السّلام وطلب منه ذلك ، فقال عيسى عليه السّلام : لا تفعل ، فإنّه إن عاش

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 61 .